الشنقيطي
254
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [ الأنبياء : 47 ] . وقوله : فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ، قالوا : بمعنى مرضية ، وراضية أصلها مرضية ، كما في قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ [ الغاشية : 8 - 9 ] ، إسناد الرضى للعيشة ، على أنها هي فاعلة الرضى ، لأن كلمة العيشة جامعة لنعيم الجنة وأسباب النعيم ، راضية طائعة لينة لأصحاب الجنة ، فتفجر لهم الأنهار طواعية ، وتدنو الثمار طواعية ، كما في قوله : قُطُوفُها دانِيَةٌ [ الحاقة : 23 ] . فالقول الأول : هو المعروف في البلاغة بإطلاق المحل وإرادة الحال ، كقوله تعالى فَلْيَدْعُ نادِيَهُ [ العلق : 17 ] . والنادي : مكان منتدى القوم ، أي ينادي بعضهم بعضا للاجتماع فيه . والمراد : من يحل في هذا النادي ، ويكون هنا أطلق المحل وهو محل العيشة ، وأراد الحال فيها . وعلى الثاني : فهو إسناد حقيقي من إسناد الرضى لمن وقع منه أو قام به . ومما هو جدير بالذكر أن حمله على الأسلوب البياني ليس متجها كالآية الأخرى ، لأن العيشة ليست محلا لغيرها بل هي حالة ، والمحل الحقيقي هو الجنة والعيشة حالة فيها ، وهي اسم لمعاني النعيم كما تقدم ، فيكون حمل الإسناد على الحقيقة أصح . وقد جاءت الأحاديث : أن الجنة تحس بأهلها وتفرح بعمل الخير ، كما أنها تتزين وتبتهج في رمضان ، وأنها تناظرت مع النار « 1 » . وكل يدلي بأهله وفرحه بهم ، حتى وعد اللّه كلا بملئها . ونصوص تلقي الحور والولدان والملائكة في الجنة لأهل الجنة بالرضى والتحية معلومة . وقوله : لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ [ يس : 57 ] ، أي لا يتأخر عنهم شيء .
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها حديث 34 و 35 و 36 ، والترمذي في صفة الجنة حديث 2561 ، وأحمد في المسند 2 / 276 ، 314 ، 507 .